ابراهيم الأبياري

324

الموسوعة القرآنية

وقيل : وجه الإعجاز راجع إلى التأليف الخاص به لا مطلق التأليف ، بأن اعتدلت مفرداته تركيبا وزنة ، وعلة مركباته معنى بأن يوقع كل فن في مرتبته العليا في اللفظ والمعنى . وقيل : الصحيح والذي عليه الجمهور والحذّاق في وجه إعجازه ، أنه بنظمه وصحة معانيه ، وتوالى فصاحة ألفاظه ، وذلك أن اللَّه أحاط بكل شئ علما ، وأحاط بالكلام كله ، فإذا ترتيب اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلا الأولى وتبين المعنى بعد المعنى ، ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره ، والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول . ومعلوم ضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، وبهذا يبطل قول من قال : إن العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله فصرفوا عن ذلك . والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط ، ولهذا ترى البليغ ينقح القصيدة أو الخطبة حولا ، ثم ينظر فيها فيغير فيها وهلم جرّا ، وكتاب اللَّه تعالى لو نزعت منه لفظة ، ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد ، ونحن يتبين لنا البراعة في أكثر ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة ، وقامت الحجة على العالم بالعرب إذا كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة ، كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحرة ، وفي معجزة عيسى بالأطباء ، فإن اللَّه إنما جعل معجزات الأنبياء بالوجه الشهير أبدع ما يكون في زمن النبي الذي أراد إظهاره ، فكان السحر قد انتهى في مدة موسى إلى غايته ، وكذلك الطب في زمن عيسى ، والفصاحة في زمن محمد صلّى اللَّه عليه وسلم . وقيل : وجه الإعجاز في القرآن من حيث استمرت الفصاحة والبلاغة فيه من جميع أنحائها في جميعه استمرارا لا يوجد له فترة ، ولا يقدر عليه أحد من البشر ، وكلام العرب ومن تكلم بلغتهم لا تستمر الفصاحة والبلاغة في جميع أنحائها في العالي منه إلا في الشيء اليسير المعدود ، ثم تعرض الفترات الإنسانية فينقطع طيب الكلام ورونقه ، فلا تستمر لذلك الفصاحة في جميعه ، بل توجد في تفاريق وأجزاء منه . وقيل : الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكير في علم البيان ، وهو كما اختاره جماعة في تعريفه : ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى وعن تعقيده ،